ابن أبي العز الحنفي
81
شرح العقيدة الطحاوية
فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم وآخر تسكينه . أو يريد أحدهما احياءه والآخر إماتته - : فإما أن يحصل مرادهما ، أو مراد أحدهما ، أو لا يحصل مراد واحد منهما . والأول ممتنع ، لأنه يستلزم الجمع بين الضدين ، والثالث ممتنع ، لأنه يلزم خلوّ الجسم عن الحركة والسكون ، وهو ممتنع ، ويستلزم أيضا عجز كل منهما ، والعاجز لا يكون إلها ، وإذا حصل مراد أحدهما دون الآخر ، كان هذا هو الا له القادر ، والآخر عاجزا لا يصلح للالهية . وتمام الكلام على هذا الأصل معروف في موضعه ، وكثير من أهل النظر يزعمون أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا الأنبياء : 22 . لاعتقادهم أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الإلهية الذي بيّنه القرآن ، ودعت إليه الرسل عليهم السلام ، وليس الامر كذلك ، بل التوحيد الذي دعت إليه الرسل ، ونزلت به الكتب ، هو توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية ، وهو عبادة اللّه وحده لا شريك له ، فإن المشركين من العرب كانوا يقرّون بتوحيد الربوبية ، وأن خالق السماوات والأرض واحد ، كما اخبر تعالى عنهم بقوله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لقمان : 25 . قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ المؤمنون : 84 ، 85 . ومثل هذا كثير في القرآن ، ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة للّه في خلق العالم ، بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم ، تارة يعتقدون أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين ، ويتخذونهم « 16 » شفعاء ، ويتوسلون بهم إلى اللّه ، وهذا كان أصل شرك العرب ، قال تعالى حكاية عن قوم نوح . وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً - نوح : 23 - وقد ثبت في « صحيح البخاري » ، وكتب التفسير ، وقصص الأنبياء وغيرها ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وغيره من السلف ، أن هذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح ، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ، ثم صوّروا تماثيلهم ، ثم طال عليهم الأمد ، فعبدوهم
--> ( 16 ) في الأصل : ويتخذوهم . وهذا البحث انفردت به المخطوطة .